سيد محمد طنطاوي

85

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

3 - ويرى أبو مسلَّم أن المراد بهم اليهود الذين بقوا على كفرهم ولكنهم لم ينقضوا عهودهم . والذي نراه أولى أن العفو والصفح عام لليهود ، وأن من مظاهر ذلك مسالمتهم ومساكنتهم ، ومجادلتهم بالتي هي أحسن ومعاملتهم بمبدأ لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، مع العفو عن زلاتهم التي لا تؤثر على كيان الدعوة الإسلامية . فإذا ما نقضوا عهودهم وخانوا اللَّه ورسوله والمؤمنين ، وأصبح العفو عنهم فيه مضرة بالمسلمين ففي هذه الحالة تجب معاملتهم بالطريقة التي تقى المسلمين شرورهم ، لأن العفو عنهم - عند استلزام قتالهم للدفاع عن النفس وعن العقيدة - يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة ويكون قد وضع العفو في غير موضعه . وهذا القول يقارب ما ذهب إليه أبو مسلم . وربما اعتبر توضيحا له . فكأن اللَّه - تعالى - يقول لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فاعف عن هؤلاء اليهود الذين ورثوا الخيانة عن آبائهم ، واصفح عن زلاتهم التي لا تؤثر في سير الدعوة الإسلامية إلى الوقت المناسب لمحاسبتهم ، إن اللَّه تعالى يحب المحسنين . وبذلك نرى السورة الكريمة قد بينت جانبا مما أخذ اللَّه على بني إسرائيل من عهود ومواثيق ، ورغَّبتهم في الوفاء بها وحذرتهم . من نقضها ، كما بينت بعض العقوبات التي عاقبهم اللَّه بها بسبب فسوقهم عن أمره ورسمت للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم طريق معالجتهم ومعاملتهم بما يقي المسلمين من شرورهم ومكرهم . وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من قبائح اليهود ونقضهم لمواثيقهم عقب ذلك ببيان حال النصارى فقال - تعالى - : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 14 ] ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّه بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 ) وقوله - تعالى : * ( ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) * معطوف على قوله قبل ذلك : * ( ولَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) * . ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال : * ( ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) *